صابون الغار يرغي غشا في عتمة المواصفات القياسية و ينوء تحت سياط منتجي المادة الأولية فمن الخاسر؟…. سمعة الصناعة العريقة …. أم المستهلك و الاقتصاد؟

حلب – نضال حنان :

” انه يتسبب في احمرار الجلد و تساقط الشعر ، زيادة القشرة على الرأس ، تحسس الجسم ، انه لا يرغي كما السابق ، لا يمكن أن يكون هذه رائحة الغار الطيب ” عبارات باتت شائعة في الآونة الأخيرة في الأحاديث التي تتناول وصف نوعية الصابون الغار و فاعليته و تأثيراته و مقارنة جودة هذا الصابون بغيره من الأصناف الأخرى في الأسواق و يحذر منه الجهات الطبية ، إلى حد الشكاية و الاستغراب مما آل إليه هذا المنتج التراثي الذي ارتبط عبر التاريخ و الجغرافية باسم حلب و ما تمتع به من سمعة و جودة و طيب الأثر و العبق و الفوائد على الجسم كما تشير الدراسات ذات العلاقة، من تدني للجودة والمحتوى نتيجة  حالات الغش و استرخاص السمعة مقابل الربح و الكسب.

قضية يعترف بها أهل الكار و الصنعة علانية في سطور خطبهم و كتاباتهم إلى الجهات المعنية ، إذ تشير بعضها الى لجوء بعض أصحاب المصابن ( معامل انتاج الصابون ) إلى أساليب الغش و التلاعب في محتويات هذا المنتج من قبيل استبدال مكونه الأساسي و هو زيت المطراف أو العرجوم ( زيت نوى الزيتون أو البيرين ) بأنواع أخرى من الزيوت اقل قيمة منه أو خلطه معها ، و إضافة شحوم و دهون من مخلفات المطاعم و محلات القصابة (اللحام)، و تمر أمام أعين الجهات الرقابية المتابعة لجودة السلع و المنتجات في المديريات التجارية و التموين دون لحظها ، بحكم أنها لا تتجاوز المعايير الموضوعة في المواصفات القياسية السورية أو أنها كما يقال بلغة العرف مخالفة مشروعة .

صابون الغار خسر أمام المال بعد أن ربح أمام التطورات في صناعة مثيلاته

صابون الغار الذي يشتهر بها حلب باعتبارها معقل صناعة صابون الغار منذ أمد طويل و ذاع صيته في أرجاء العالم ، حافظ على وجوده و جودته على مسرح صناعة الصابون و ملحقاته من المنظفات ،رغم كل التغييرات و التطورات التي طرأت على صناعته و تركيبه و استخداماته ، باعتباره الصابون الطبيعي الأجدر  بالثقة كما يقول علوان عمر احد منتجي صابون الغار في حلب و الذي يوضح أن صابون الغار هو تركيب طبيعي بسيط  من مواد طبيعية صرفة ما زال على ما هو عليه منذ مئات السنين و يتضمن بالدرجة الأساسية زيت المطراف و زيت الغار و مادة قلوية ( كوستيك ) و له فوائد كثيرة للجلد و حقق انتشارا  واسعا في الأسواق العالمية حيث بتم تصديره إلى دول أوربية و أسيوية عديدة .

زيوت القلي  و الشاورما بديل نقص زيت المطراف في إنتاج صابون الغار

أمام كل هذه المحاسن و المزايا التي تتمتع بها صناعة صابون الغار تطرح تساؤلات كثيرة حول أسباب توجه منتجي الصابون إلى أساليب الغش و ماهية المبررات التي تجعل هذه السلوكيات حالة شبه عامة .

البحث عن الإجابة لم يكن صعبة كصعوبة الاقتناع بهذه المبررات التي كانت تتستر بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة و المثل العامي ( شو إلي جبرك على المر إلا الأمر منه )، بالنظر إلى أن الأجوبة كانت تشرع للغش و التلاعب إلى الحد الذي كان فيها الاعتراف بطغيان هذه الظاهرة علنية وواضحة .

محمد عطار احد أصحاب المصابن المعروفين في حلب يسرد الظروف التي أحاطت  بصناعة الصابون خلال السنوات الماضية و مازالت حتى الآن ،و التي  وضعت هذه الصناعة أمام خيارين، هما الانحسار و التلاشي بحكم المردود الاقتصادي و توقف التصريف ، أو اللجوء إلى أية أساليب قد تبقي هذه الصناعة أو الحرفة مستمرة ، موضحا أن هذه الحالة تفاقمت بشكل ملحوظ منذ / 10 / سنوات ،عندما اتسعت المسافة بين الإنتاج المحلي لزيت المطراف الداخل في صناعة الصابون و بين الطاقة الإنتاجية لمعامل الصابون، حتى وصلت الفجوة إلى ما نسبتها 70 – 80 % ،و تزايد معها اللجوء إلى إدخال هذه المادة إلى البلد بطرق غير شرعية، و الاتجاه نحو اعتماد مواد أخرى كبديل عن زيت المطراف كزيت النخيل المسموح استيراده، و الشحوم الحيوانية و بقايا زيوت القلي في المطاعم ( فلافل – بطاطا و غيرها )، ودهون الشاورما و شواء اللحوم ( الفروج – المواشي )، و عصارة العظام التي يتم تجميعها و شرائها من المحال بعد أن كانت ترحل إلى القمامة ، و اتهم حردان أصحاب معامل زيت المطراف  باستغلال حاجة أصحاب المصابن إلى المادة الأولية لصناعتهم المحصورة في أيدي هذه المعامل من خلال دفع سلف مالية ضخمة تتعدى الألوف إلى  ملايين الليرات قبل الحصول على زيت المطراف بفترات طويلة ، والتحكم بسعر الزيت بشكل مخالف للعقود المبرمة .

حالات الغش في صابون الغار لا تكشفه عدسة حماية المستهلك

و الملفت في الأمر هو أن يمر كل ما ذكر أمام أنظار  مديرية التجارة و التموين حلب دون أن يسطر كوادرها أية ضبوط بهذا الشأن ، و هو ما أكده إبراهيم شومان مدير حماية المستهلك لدى سؤالنا عن عدد الضبوط التي طالت هذا النوع من  المخالفات ، و الذي أحال أحقية الإجابة عن السبب وراء ذلك إلى الدائرة الفنية و المخبرية في المديرية حيث أوضح احمد السنكري مديرة الدائرة أن هيئة المواصفات و المقاييس السورية حددت في اشتراطاتها الخاصة بصابون الغار أن لا يقل مجموع المواد الدسمة عن / 76 % / من مكونات الصابون دون تفصيل نسب كل مادة ،و بالتالي يتم التحليل لهذه المادة لمعرفة نسبة زيت الغار في الصابون و مجموع المواد الدسمة فقط و الذي لا يتيح إمكانية معرفة نسب كل نوع  من هذه المواد الدسمة ،و بالتالي عدم كشف أنواع الزيوت المختلفة في الصابون ، رغم ان المواصفات القياسية السورية تذكر في تصنيف أنواع الصابون نسب محتويات صابون الغار من زيت المطراف و زيت الغار و المواد الدسمة غير حيوانية المنشأ .

معامل البيرين تحتكر زيت المطراف

من جهة أخرى اتهم احد أصحاب المصابن فضل عدم كشف اسمه بعض أصحاب معامل البيرين ( زيت المطراف ) بالاحتكار، مفصلا اتهامه أن هؤلاء قاموا السنة الماضية بتخزين آلاف الأطنان من هذا الزيت في المستودعات، و امتنعوا عن البيع بغية التحكم بالأسعار ،و هو ما يحصل فعلا حيث يتم الاتفاق في بداية موسم الإنتاج في شهر تشرين الأول و الثاني على عقود استجرار بمبلغ معين يتم تثبيته في العقد ،و حين يأتي موعد الاستلام يفرض أصحاب معامل البيرين أسعار جديدة مرتفعة لا يمكن رفضها ، كما هذا العام حيث قفز سعر الكيلو غرام الواحد لزيت المطراف من / 49 / ليرة سورية مثبت في العقود إلى حدود / 70 / ليرة ، و ردا على سؤالنا حول إمكانية الادعاء في المحاكم بهذا الخصوص قال ” اللجوء إلى المحاكم و المطالبة بالالتزام بالعقود يعني سنوات من الانتظار ناهيك عن إمكانية تعرضك لإنكار من قبل هؤلاء  بوجود دفعات مالية مسبقة غير موثقة ”

أصحاب المصابن : الحل في فتح باب الاستيراد

مقابل هذا الوضع تكررت مطالب أصحاب المصابن بضرورة فتح باب استيراد مادة زيت المطراف ،أسوة بباقي المواد الأولية  لتحقيق توازن بين العرض و  الطلب و الذي يحتاج إلى تفعيل قرار وزارة الاقتصاد ذو الرقم / 3499 / ص / 3 لعام 2005 الذي صدر و لم ينفذ  حتى الآن بسبب موقف بعض الأطراف في وزارة الزراعة ،و تحديدا مكتب الزيتون في ادلب بحسب محمد حردان رئيس الجمعية الحرفية لصناعة الصابون و المنظفات بحلب ، الذي أوضح أن حلب التي تعتبر معقل صناعة صابون الغار، تضم أكثر من / 184 / منشأة مرخصة  الى جانب عشرات أخرى غير مرخصة و أخرى في محافظات القطر ، و أنهم كجمعية خاطبوا الجهات المعنية في وزارة الاقتصاد و الصناعة و غيرها بمئات الكتب بهذا الخصوص و أيدتها غرفتي الصناعة و التجارة في حلب بغية سد حاجة معاملنا من المادة الأولية و بالأسعار المناسبة ، مشيرا إلى أن  الحكومة دعت مؤخرا إلى تشكيل لجنة من عدة جهات معنية ،و طلبت تحديد الإنتاج الفعلي لزيت المطراف في سورية و حاجة معامل الصابون منه ، و أضاف أنه تم رفع مذكرة من حلب تم تحديد حاجة المعامل في حلب فقط بـ/ 120 / ألف طن ،و قال حردان ” إن تفعيل قرار السماح بالاستيراد سيساهم في البقاء على الريادة في تصنيع صابون الغار التراثي و زيادة الصادرات من المنتج النهائي و تشغيل كافة المنشآت الحرفية لصناعة الصابون و منع الاحتكار و المنافسة غير المشروعة و تخفيض التكلفة و الضرر البيئي الناتج عن عصر البيرين، علما أن وزارة الاقتصاد تسمح باستيراد مادة البيرين التي يستخرج منها زيت المطراف و يتنافس عليها معامل البيرين ”

مكتب الزيتون : نفضل استيراد البيرين على زيت المطراف

و للاطلاع على وجهة نظر الأطراف الأخرى ،حاولنا أكثر من مرة الاتصال بالمعنيين بصناعة زيت المطراف إلا أنهم نأوا بأنفسهم عن الحديث بهذا الخصوص ، فاتجهنا إلى مكتب الزيتون التابع لوزارة الزراعة و مقره في محافظة ادلب و الذي كان في مرمى اتهامات أصحاب المصابن حول دورها في منع الاستيراد ، و صرح لنا مدير  المكتب المهندس فراس السويد بأنه هناك / 30 /  معملا لإنتاج زيت المطراف في سورية يتركز معظمها في محافظة حلب ،تعمل على عصر مادة البيرين الناتج عن مخلفات عصر الزيتون و تحويله إلى مادة زيت العرجوم أو المطراف المستخدم في صناعة الصابون بأصنافها ، و يبلغ المعدل الوسطي لإنتاج سورية من زيت المطراف حوالي / 15 / ألف طن سنويا، يزداد و ينقص بحسب سنوات المعاومة في إنتاج الزيتون ، و قد وصل عام 2007 إلى نحو / 22 / ألف طن ، كما يتم استيراد كميات إضافية من مادة البيرين من لبنان تتراوح بين / 300 – 350 / ألف طن سنويا ، مشيرا إلى أن هذه الأرقام تم تضمينه في مذكرة رفعت مؤخرا إلى وزارة الزراعة بناء على طلبها بخصوص الدراسات الحالية لمشكلة السماح باستيراد زيت المطراف ، و أضاف السويد أن المشكلة من وجهة نظره تكمن في عد وضوح الحاجة الفعلية  للمصابن معتبرا الرقم الذي أوردته بعض الأطراف في مذكراتهم مبالغ فيه ، و حذر من أن يؤول استخدام هذه الزيوت في حال السماح باستيرادها إلى غير مبتغاه و استغلاله في أغراض غذائية و غير صناعية ، و أن يضر هذا الاستيراد بصناعة البيرين و بالتالي أصحاب معاصر الزيتون و الفلاحين عموما .

و لفت إلى انه ليس ضد فتح باب الاستيراد لكنه يدعو إلى تنظيمه ووضع آلية واضحة للاستيراد ترتبط بتحديد مخصصات معامل الصابون أو المصابن ضمانا لعدم تصريفه إلا في صناعة الصابون ، مشيرا إلى أن ليس كل الإنتاج الحالي من زيت المطراف المحلي يستثمر أو يتجه إلى صناعة الصابون ، و انه يفضل استيراد مادة البيرين على استيراد زيت المطراف لما يحققه من قيمة مضافة على الصناعة .

صناعة حلب مع الاستيراد المنظم لزيت المطراف

بدوره أشار المهندس طلال اسعد مدير صناعة حلب إلى ضرورة تحقيق التوازن في هذه القضية لما له من أهمية في الحفاظ على هذه الصناعة العريقة و هو  ما تنتهجه الوزارات المعنية في الاقتصاد و الصناعة حيث شكلت لجنة لتدارس المعطيات  الإحصائية لكل القطاعات المعنية بهذه الصناعة بغية تحديد الحاجات الفعلية و الطاقات الإنتاجية لها لافتا إلى ضرورة تحيد آلية منضبطة للاستيراد .

صابون الغار علامة فارقة للصناعة التقليدية في حلب

أخيرا لابد من الإشارة إلى أن كل رائح إلى حلب يفضل العودة منها محملا بشيئين مرتبطين باسم هذه المدينة و هما الزعتر الحلبي و صابون الغار  ، و صناعة الصابون هي رمز الصناعة التقليدية والتراثية و العريقة التي حافظت على ميراثها على طول السنوات الغابرة ، و يؤكد أصحاب الهمة الصناعية الشريفة أن هذا الصابون سيرغي و يطلق عبق الغار  في أسواق باب الجنين وسط حلب دون أن يشوهها بعض ممارسات أصحاب النفوس الضعيفة الساعية إلى الكسب المؤقت.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: