زواج الأقارب Inbreeding – Endogamy
تشكل ظاهرة زواج الأقارب إحدى الظواهر الاجتماعية السائدة في المجتمع السوري ، ولعلها من أكثر العادات والتقاليد الاجتماعية الشائعة في مناطق الريف فالبنت لابن عمها أو ابن خالها أو خالتها كونه هو أحق بها من الأبعد وهكذا
فقد وجد مثلا أن نسبة زواج الأقارب بين السعوديين هي 57.7% وهي الأكبر بين دول العالم في معدلات زواج الأقارب ، وتزيد في الكويت على 40% من إجمالي الزيجات ، وتبلغ حوالي 49% في فلسطين ، و 38% في مصر ، وتنخفض هذه النسبة كثيرا في الدول الغربية لتصل إلى 1-2 % من عدد الزيجات في أمريكا مثلا
يمكن تعريف زواج الأقارب بأنه زواج بين أثنين تجمعهما رابطة الدم .
هل هناك مشكلة صحية في زواج الأقارب ؟
لا بد لمعرفة ذلك من فهم كيفية تكون الخلية الملقحة .
يتكون الجنين من اتحاد خلية ذكرية ( الحيوان المنوي ) مع خلية أنثوية ( البويضة ).
تحتوي كل خلية على 23 كرموسوم (صبغيآ). يتكون بعد الاتحاد ما يسمى بالخلية الامشاج التي تحتوي على 46 كروموسومآ نصفها من الأب والنصف الآخر من الأم .
وبذلك فإن كل صفة من الصفات الوراثية التي تنتقل إلى الجنين يحددها مورثان : الاول من الأم والآخر من الأب
يحدث المرض الوراثي إذا كان هناك خلل في تركيب واحد أو أكثر من هذه الكروموسومات أو الصبغيات
إذا حدث الخلل نتيجة خلل بمورث واحد من الأثنين سمي المرض سائدآ ، أما إذا لم يحدث المرض إلا بوجود خلل في المورثين معآ سمي المرض متنحيآ
يشترك الأخوة الأشقاء بنصف عدد المورثات ، وتقل هذه النسبة لتصل إلى الربع مع الأعمام والأخوال وإلى الثمن بين أبناء وبنات الأعمام والأخوال
وبذلك فإنه عند وجود جين معيب في الأسرة، فإن احتمال انتقاله إلى أبناء الأقارب المتزوجين تكون كبيرة
اما وجهة نظر الاخرى
ترى أن زواج الأقارب من الزيجات السائدة في المجتمعات الشرقية والعربية والإسلامية وفي دراسة ميدانية أخرى في هذا الموضوع في مصر سنة 1983 تبين أن زواج الأقارب يشكل 38,96 % من حالات الزواج . بينما في دول مثل لبنان وسوريا وفلسطين فإن الغالب هو زواج الأقارب .
وقد ظل زواج الأقارب محط النظر من الناحية الوراثية إلا أنه وبعد إمكانية عمل الفحص الوراثي إنتفت تلك المشكلة
المترتبة على الأمراض الوراثية والتي لا تكون حالتها كبيرة كما تصوره البعض … ففي فلسطين معظم الزيجات
تكون من الأقارب وكذلك في سوريا والأردن .
بل في المجتمعات الغربية وخاصة السويد وبولندا وبلجيكا بدأت زيجات الأقارب في التزايد لأسباب عاطفية وفكرية سنوضحها في هذا المقال.
كما يقول عالمين أمركيين أن منع زواج الأقارب يعد باليا حيث يرى الباحثان الخطأ في منع زواج الأقارب
حيث أنه لا يكون المنع سببه حقيقيا في معظم الأحوال بل إن الأمراض الوراثية قد تنجم حتى في زواج غير الأقارب أيضا وبنسب تقترب من نسب زواج الأقارب (
وبالفعل فمع النظر إلى الفحوص ثبت بأن النسب المرضية تنعدم بعد الفحص الوراثي الإيجابي بل وقد لا تتوفر
حتى مع الفحص السلبي !!! حيث أن النتيجة السلبية ليست مخيفة كما يظن البعض أو يهول من شأنها .
ففي إيطاليا يعمد أهل جنوب إيطاليا إلى زواج الأقارب ويرون فيه أنه صحي حيث يكون الأطفال فيه مكتسبون لصفة القوة من قوة الأبوين … وعدم وجود أمراض وراثية في العائلة يجعل بعض الصفات الإيجابية أكثر عرضة للتوفر مثل
الذكاء.. أو سرعة البديهة أو البنية الجسمية الجيدة مثل الجمع بين التوسط الطولي مع الطول أو الطول القصير مع الطول الأكبر وهكذا …
فإذا كان بالأسرة عوامل وراثية مرغوبة ليست في غيرها من الأسر مثل صفات الجمال والذكاء والقوة .. أو طول العمر وغيرها ، حينئذ يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد.
أما زواج الأقارب، فلا يوجد إطلاقا نص صحيح ينهى عن ذلك، وحديث “غربوا النكاح” لا يصح، وقد تزوج النبي -عليه الصلاة والسلام- من ابنة عمته زينب، والآية القرآن صريحة: “يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك…” (الأحزاب: 50)، وبينت سورة النساء الآية 23-24 المحرمات حصرا؛ فما عدا ذلك من الأقارب فهو جائز قطعا، وهذا لا يمنع أن يفضل التقليل من زواج الأقارب حفظا على اتساع العلاقات والمصاهرة، وخشية أن تترسخ بعض الصفات الوراثية السلبية؛ فيكون من باب التفضيل وليس من باب التحريم.
وأحيانا قد نجد أقارب تزوجوا من بعضهم وهم في كمال الذكاء والعقل وسلامة الجسم مع الالتزام في الدين فيراعى كل شيء بحسبه، ولا مانع أيضا من أراد أن يتزوج من قريبة أن يجري فحصا طبيا ليتأكد من عدم وجود بعض الموانع الطبية .
زواج الأقارب لم يرد النهي في الشرع عنه ، ولا الأمر به ، وإنما ترك الأمر للإباحة ، حتى تدرس كل حالة على حدتها ، فربما كان الأنسب أن يتزوج الرجل من قريبته ، فربما كانت هناك اعتبارات اجتماعية ترجح الزواج مع القرابة .
أما في إيطاليا وبعض المجتمعات الغربية فقد بدأت بالإتجاه إلى زواج الأقارب في الفترة الماضية بعد تطور البحث
و الفحص العلمي الحديث …
ومن الطرائف العلمية
أن زواج الرجل من قريبته يزيد من طول المحبة بين الزوجين !!!
حيث ثبت بأن الرجل يفرز هرمونات تدفعه إلى زيادة التعلق بقريبته إن كان يحبها بل إن المرأة تكون ساعية لحب الرجل والحفاظ عليه وعلى مشاعره وهو مالم يجد مثيله في زواج الأباعد !!!
وهو مايدفع النساء في أوروبا إلى السعي بالإيقاع بالأقارب في غرامهن وذلك لعلمهن المسبق بأنه لن يرى مثلها !!!
فبل الفعل فإن الرجل المقترن بقريبته يكون أشد حرصا على مشاعرها !!! وهنا يتبين المثل الذي يقول
( زوجتي هي لحمي هي دمي ) وهو ما يتمثل في فلسطين وسوريا
وتتعدد الفوائد التي تنتج من زواج الأقارب وهي كالتالي
1- زيادة وتقوية العلاقات الإجتماعية وهو ما يلاحظ في المدن حيث تقل الروابط الإجتماعية وهنا يكمن وتكمن ميزة زواج الأقارب حيث يكون الزوج و الزوجة سفيران للربط بين العائلات المتفككة والمتباعدة حيث يكون منزلهما
محطة للتزود بالحميمية والقرابة وصلة الرحم .
2- تقوية الصفات الوراثية الإيجابة : وذلك بعد الفحص الإيجابي وحتى في الفحص السلبي فإنه وكما ذكرنا في الدراسة لا تستلزم وجود خطر إلا أن الأفضل هو الزواج في الفحص الإيجابي .
3- حصول المرأة على وافر من المحبة التي تكون مدتها بالفعل أطول .
4- ذوبان الفوارق بين الزوجين : حيث إن الزوجان في تلك الحالة يكونان أقرب من بعضهما البعض حيث لا يكون الزوج بخيلا أو متخوفا من زوجته من الناحية المادية وكذلك الزوجة فإنها ترى فيه الإنسان الأكثر أمانا من غيره
ويفسر ذلك كماذكرنا الدوافع التي تجعل الرجل أكثر خوفا على زوجته وأكثر تعلقا وإهتماما بها بل تصل أحيانا لأن
يتعب الرجل من تعبها !!! ويسعد بسعادتها !!.
4- حصول الرجل على الإهتمام من المرأة حيث تكون المرأة أكثر إخلاصا لزوجها .
ففي دراسة حول زواج الأقارب في الريف البريطاني وجد أن المرأة المتزوجة من قريبها أكثر حميمية وإحساسا بالأمان عن غيرها . وهو ما يفسر غيرة البريطانيات في المدن من نساء الريف اللواتي يحصلن على حميمية أكبر !!!
5- وبعيدا عن الدراسات العلمية فإننا ننظر إلى الفائدة الروحية والدينية التي تنبع من زواج الأقارب
من صلة الرحم وتودد الأقارب وكثرة الزيارات التي أشبهت بالمواسم المقتصرة على الأعياد أو الأفراح و المآتم فقط !!! وبدأت صلة الرحم كمفهوم شبه مندثر في مجتمعاتنا الشرقية مع مشاغل الحياة وتباعد المساكن عن بعضها البعض … فكان هذا الزواج هو طوق النجاة للصلاة المهددة في مجتمعاتنا المدنية … ناهيك عن زواج رسول الله (ص) من بنت عمومته والذي يجعل من تلك الروابط أشد توثقا وقوة

